تحليلات

إعادة تشكيل العلاقة الأمريكية – السعودية: استراتيجية بلا شروط التطبيع

عكست زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للبيت الأبيض في نوفمبر 2025 تحوّلًا نوعيًا في بنية العلاقات الأمريكية-السعودية، حيث أظهرت أن التعاون الاستراتيجي بين الرياض وواشنطن لم يعد مشروطًا بالتطبيع السياسي مع إسرائيل.

وقد جاء هذا التحوّل نتيجة مجموعة من الضغوط الهيكلية الأمريكية، بما في ذلك تبعات السياسات الإسرائيلية على مصداقية واشنطن الإقليمية، والتحديات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، وسباق التسلح والتنافس الاستراتيجي مع الصين.

أظهرت الزيارة قدرة الرياض على ممارسة صبر استراتيجي وحصد تنازلات ملموسة في مجالات الدفاع، والتكنولوجيا، والطاقة، والمعادن الاستراتيجية، دون الانخراط في خطوة سياسية مكلفة تجاه إسرائيل.

كما عكست هذه الديناميكية تراجع النفوذ الأمريكي التقليدي في المنطقة، وظهور نموذج تعاون قائم على المصالح المتبادلة والتعامل بالتدرج «القائم على الملفات»، بدلًا من ربط الاستراتيجيات بشروط سياسية مسبقة.

في هذا السياق، يمكن قراءة الزيارة على أنها إعادة ضبط للعلاقة الأمريكية-السعودية نحو شراكة عملية قائمة على المصالح الاقتصادية والأمنية، مع إبقاء الملف الفلسطيني والتطبيع مع إسرائيل في مرتبة بعيدة، ما أتاح لكل طرف تحقيق أهدافه الاستراتيجية ضمن إطار مرن تكيف مع تعقيدات النظام الإقليمي والعالمي.

يقول تقرير، بعنوان: “إعادة تشكيل العلاقات الأمريكية-السعودية حقيقية ولم تعد تعتمد على إسرائيل”، بقلم هـ. أ. هيليير، نشره موقع “War on the Rocks”، إن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأخيرة للبيت الأبيض رسّخت تحوّلًا جوهريًا في العلاقات الأمريكية-السعودية: لم تعد واشنطن تمتلك النفوذ لفرض تطبيع سعودي مع إسرائيل.

وبعد أن ابتعدت إدارة بايدن عن الرياض عقب مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، أعادت واشنطن ضبط سياساتها، وقد جاء هذا الضبط ليس بسبب الدبلوماسية أو التوافق القيمي، بل بسبب ضغوط هيكلية، بما في ذلك الانتقادات السياسية التي واجهتها واشنطن لدعمها العسكري والدبلوماسي لحملة إسرائيل على غزة، والتي أضرّت بمصداقية الولايات المتحدة في المنطقة.

وتشمل هذه الضغوط الهيكلية هشاشة سلاسل الإمداد التي انكشفت خلال جائحة كورونا، والصدمات التي أصابت أسواق الطاقة العالمية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، والتنافس الاستراتيجي المتصاعد مع الصين في مجالات التكنولوجيا والتصنيع والمعادن الاستراتيجية.

والأهم من ذلك كان تفتت السياسة في العالم العربي بعد هجوم 7 أكتوبر وحرب إسرائيل على غزة، التي أدانتها غالبية المجتمع الدولي بسبب حجم الدمار المدني وتهجير سكان غزة تقريبًا بالكامل، وهو ما أحدث صدمة واسعة في المنطقة.

وبحسب التقرير، أدركت الرياض هذا الضبط بدقة ملحوظة، مستخرجة تنازلات كبيرة دون تقديم أي خطوات على مسألة التطبيع السياسي مع إسرائيل، وهو ما سعت إليه الإدارات الأمريكية المختلفة بدرجات متفاوتة، فقد نجح ولي العهد في فصل التعاون الاستراتيجي الأمريكي-السعودي عن التطبيع الدبلوماسي، متجاوزًا ضغوط إدارة بايدن وتوقعات ولاية الرئيس ترامب الأولى.

الرسالة السعودية واضحة: التوافق مع المصالح الأمريكية الاستراتيجية مهم، لكن التقارب الكامل للسياسات لن يحدث، والمعاملات الثنائية يجب أن تكون ذات منفعة متبادلة، وهو السبب أيضًا في إثارة ملف السودان خلال هذه الزيارة، وهذا لا يمثل مجرد تنازل تكتيكي، بل إعادة ضبط هيكلية تعكس تآكل النفوذ الأمريكي وقدرة الرياض المتنامية على الصبر الاستراتيجي ضمن نظام دولي مجزأ.

حليف رئيسي غير عضو في الناتو

تمثل الاتفاقيات المعلنة في واشنطن إحدى أعظم عمليات إعادة تشكيل العلاقات الأمريكية-السعودية خلال عقود. اتفقت الدولتان على اتفاقية دفاع استراتيجي جديدة لتقنين التعاون الأمني. ورغم أنها ليست معاهدة دفاع متبادل، إلا أنها ترقى إلى ترقية كبيرة في البنية التحتية الأمنية الثنائية، كما يشمل تصنيف السعودية كـ«حليف رئيسي غير عضو في الناتو»، وهي علاقة شراء أسلحة غير معتادة.

كما أبدت الولايات المتحدة استعدادها للمضي قدمًا في صفقة بيع طائرات F-35 المتوقفة منذ فترة طويلة، رغم الإبلاغ لاحقًا أن وزير الخارجية ماركو روبيو أخبر الإسرائيليين أن الرياض ستحصل على نسخة مخفضة الأداء مقارنة بما تحصده إسرائيل، لضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وهو التزام قانوني أمريكي.

مع ذلك، ليست طائرات F-35 القصة الرئيسية هنا، ولم تكن كذلك أبدًا. على الصعيد النووي، أعلنت واشنطن والرياض إطار تعاون مدني، رغم أن بعض خبراء عدم الانتشار أثاروا قلقهم بشأن تراجع بعض بنود «المعيار الذهبي» المتعلقة بالتخلي عن التخصيب المحلي ومعالجة اليورانيوم. ويصر المسؤولون الأمريكيون على أن الترتيب الحالي يقتصر على إنتاج الطاقة المدنية، مع مراقبة دقيقة لاحقة عند تنفيذ تفاصيل الاتفاقية.

يحمل التعاون النووي ثقلًا استراتيجيًا نظرًا لاحتياطيات السعودية الكبيرة من اليورانيوم، فمستودع جبل سعيد وحده يحتوي على نحو 31 ألف طن، مما يجعل المملكة مصدرًا بديلًا محتملاً لصناعة الطاقة النووية الأمريكية في وقت يسيطر فيه كل من روسيا والصين على أكثر من نصف القدرة العالمية على تخصيب اليورانيوم.

كما أفرز لقاء البيت الأبيض إطارًا جديدًا لدعم الرياض لصناعة أشباه الموصلات الأمريكية وتطوير الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم، مع الإشارة إلى استثمارات تتجاوز 100 مليار دولار، على الرغم من أنها تعكس نوايا وتوافقًا استراتيجيًا وليس عقودًا ملزمة بالكامل.

وأخيرًا، يشمل البُعد الجديد في العلاقات مبادرة كبيرة على المعادن الاستراتيجية والعناصر النادرة، التي تعتبر ضرورية لتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية وتعزيز القدرة على الصمود طويل الأجل في قطاعات متعددة، من السيارات الكهربائية إلى أنظمة الدفاع.

استثمار في المعادن الاستراتيجية

تمثل الشراكة في المعادن عنصرًا استراتيجيًا في العلاقة الثنائية، فالمملكة تضم مستودع جبل سعيد، الذي يعتقد أنه الرابع عالميًا من حيث قيمة احتياطيات العناصر النادرة. وتشكل هذه المعادن عناصر أساسية في قدرات الدفاع الأمريكية المتقدمة، من مقاتلات F-35 إلى غواصات الفئة فيرجينيا وكولومبيا، وصواريخ توماهوك، وأنظمة الرادار، والطائرات بدون طيار، والأسلحة الموجهة بدقة، وكذلك في التقنيات المدنية مثل أشباه الموصلات الطبية وأنظمة التصوير بالرنين المغناطيسي والعلاج الإشعاعي.

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أنها ستمول 49٪ من حصة رأسمالية لمصفاة عناصر نادرة جديدة في السعودية، بالشراكة مع شركة معادن (67٪ مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة) وMP Materials، مما يعكس تحول السعودية السريع وفق رؤية 2030 إلى لاعب رئيسي في سوق المعادن الاستراتيجية العالمي.

حسابات السياسية السعودية في البيت الأبيض

جاء توقيت الزيارة لصالح الرياض، التي تفاوضت في وقت يعاني فيه البيت الأبيض من قلق بشأن الهيمنة التكنولوجية الصينية وهشاشة سلاسل التوريد، حين كانت واشنطن بحاجة إلى انتصارات اقتصادية مرئية.

وقد أظهرت المملكة التزامات استثمارية في مجالات التكنولوجيا والتصنيع والطاقة، رغم أن الطبيعة الملزمة والجداول الزمنية لهذه الاستثمارات لا تزال غير واضحة. واستمرت تنسيقات الطاقة، مع احتفاظ الرياض بقدرة إنتاج فائضة تقدر بـ 2–3 ملايين برميل يوميًا، وتعاونها مع مجموعة أوبك+ لإدارة الإنتاج واستقرار الأسواق العالمية.

أما التطبيع مع إسرائيل، فقد قدمت الرياض لغة دبلوماسية دقيقة فقط، معتبرة التطبيع احتمالًا بعيدًا مرتبطًا بتقدم في إقامة دولة فلسطينية، ولم تُحدد أي جداول زمنية أو خطوات عملية فورية. ويشير المسؤولون السعوديون إلى أن الحسابات لم تتغير منذ 2023، وأن التطبيع لا يزال يحمل تكلفة سياسية كبيرة.

وأثار ولي العهد أثناء الزيارة الصراع المستمر في السودان كأولوية إقليمية، مشددًا على المخاطر الناتجة عن تدفق اللاجئين وتهديدات الأمن البحري في البحر الأحمر والكوارث الإنسانية. ودفعت الرياض باتجاه مسار دبلوماسي يتركز حول مفاوضات جدة، لتعزيز دورها كفاعل إقليمي مسؤول قادر على الوساطة.

وقد مثل النزاع السوداني متغيرًا ضمن الإطار التبادلي للعلاقات: تسعى الرياض للحصول على دعم أمريكي لموقفها الدبلوماسي وضغط على جميع الأطراف الخارجية المعنية، بينما تحتاج واشنطن لتعاون سعودي في أمن البحر الأحمر والوصول الإنساني.

معاملة تبادلية ومصالح المشتركة بين واشنطن والرياض

الإطار الأمريكي-السعودي قائم على المعاملة التبادلية والمصالح المشتركة، دون ربطه بمسألة التطبيع مع إسرائيل كما كان في السابق، وقد أدى هذا إلى تراجع قدرة واشنطن على فرض التطبيع كشرط للتعاون الاستراتيجي، فيما تلاحظ دول عربية أخرى مثل الإمارات ومصر والأردن أن الرياض حصلت على تنازلات كبيرة دون تطبيع.

بالنسبة لإسرائيل، أصبح من الواضح أن الدول العربية لن تضع التطبيع شرطًا حصريًا للتعاون مع واشنطن، وأن الحرب في غزة رفعت القضية الفلسطينية إلى اختبار شرعية سياسي مباشر.

العلاقات الأمريكية-السعودية الآن مبنية على احتياجات متبادلة ولكن غير متماثلة بالكامل: تحتاج واشنطن إلى رأس المال السعودي والتعاون في الطاقة والاتفاق في مواجهة الصين، بينما تحتاج الرياض للتكنولوجيا الأمريكية والأسلحة والهياكل الأمنية. التطبيع مع إسرائيل لم يُلغَ، لكنه أصبح على جدول زمني غير محدد يعتمد على التطورات التي لا يمكن لواشنطن التحكم بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى